عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

106

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

محمد بن داود السلجوقي التركي . تملك ما وراء النهر وبلاد الهياطلة ، وبلاد الروم والجزيرة ، والشام والعراق ، وخراسان وغير ذلك . قال بعض المؤرخين : ملك من مدينة كاشغر الترك إلى بيت المقدس طولاً ، ومن قسطنطينية وبلاد الجرت إلى نهر الهند عرضاً ، وكان حسن السيرة محسناً إلى الرعية ، وكانوا يلقبونه بالملك العادل ، وكان ذا عزم بالعمائر وبالصيد ، فحفر كثيراً من الأنهار ، وصنع بطريق مكة مصانع ، وغرم عليها أموالاً كثيرة خارجة عن الحصر ، وأبطل المكوس في جميع البلاد ، وكان لهجاً بالصيد حتى قيل : إنه ضبط ما اصطاده بيده ، فكان عشرة آلاف ، فتصدق بعشرة آلاف دينار ، وقال : إني خائف من الله - سبحانه - من إزهاق الأرواح من غير مأكلة ، وصار بعد ذلك كلما قتل صيداً تصدق بدينار . وخرج من الكوفة لتوديع الحاج ، فجاوز العذي ، وشيعهم بالقرب من الواقصة ، وصاد في طريقه وحشاً كثيراً ، فبنى هناك منارة في حوافر الحمر الوحشية وقرون الظباء التي صادها في ذلك الطريق ، وذلك في سنة ثمانين وأربع مائة . قال ابن خلكان : والمنارة باقية إلى الآن ، وتعرف بمنارة القرون . انتهى قوله . قلت وكثير من الناس يسمونها أم القرون ، وكانت السبل في أيامه ساكنة ، والمخاوف آمنة ، تسير القوافل من ما وراء النهر إلى الشام ، وليس معها خفير ، ويسافر الواحد والاثنان من غير خوف . ولما توجه لحرب مر بمشهد علي ، فدخل هو ووزيره نظام الملك ، ودعوا ، ثم سأل نظام الملك : بأي شيء دعوت ؟ فقال : بنصرك على أخيك . فقال : أما أنا ، فقلت : اللهم انصرنا ، وأصلحنا للمسلمين . ودخل عليه واعظ فوعظه ، وحكى له أن بعض الأكاسرة اجتاز منفرداً من عسكره على باب بستان ، فتقدم إلى الباب ، وطلب ما يشربه ، فأخرجت له صبية إناء فيه ماء والسكر والثلج ، فشربه ، واستطابه ، فقال : هذا ، كيف يعمل ؟ فقالت : إن قصب السكر يزكو عندنا حتى نعصره بأيدينا ، فيخرج منه هذا الماء ، فقال : ارجعي وأحضري شيئاً آخر . وكانت الصبية غير عارفة به ، ففعلت ، فقال في نفسه : الصواب أن أعوضهم عن هذا المكان ، وأصطفيه لنفسي . فما كان بأسرع من خروجها باكية ، وقالت : إن نية سلطاننا قد تغيرت ، فقال : ومن أين علمت ذلك ؟ قالت : كنت آخذ من هذا ما أريد من غير تعسف ، والآن قد اجتهدت من عصر القصب ، فلم يسمح ببعض ما كان يأتي . فعلم صدقها ، فرجع عن تلك